عثمان بن جني ( ابن جني )
276
الخصائص
باب في تسمية الفعل اعلم أن العرب قد سمّت الفعل بأسماء ، لما سنذكره . وذلك على ضربين : أحدهما : في الأمر والنهى ، والآخر : في الخبر . الأوّل منهما نحو قولهم : صه ، فهذا اسم اسكت ؛ ومه ، فهذا : اكفف ، ودونك اسم خذ . وكذلك عندك ووراءك اسم تنحّ ، ومكانك اسم أثبت . قال : وقولي كلّما جشأت وجاشت * مكانك تحمدى أو تستريحى " 1 " فجوابه بالجزم دليل على أنه كأنه قال : اثبتى تحمدى أو تستريحى . وكذلك قول اللّه جلّ اسمه : مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ [ يونس : 28 ] ف ( أنتم ) توكيد للضمير في ( مكانكم ) ؛ كقولك : اثبتوا أنتم وشركاؤكم ، وعطف على ذلك الضمير بعد أن وكّده ( الشركاء ) . ويؤكّد ذلك عندك قول بعضهم : مكانكنى ؛ فإلحاقه النون كما تلحق النون نفس الفعل في ( أكرمني ) ونحوه دليل على قوّة شبهه بالفعل . ونحوه قولهم أيضا : كما أنتنى ؛ كقولك : انتظرني . ومنها هلمّ ، وهو اسم ائت ، وتعال . قال الخليل : هي مركبة ؛ وأصلها عنده ( ها ) للتنبيه ، ثم قال : " لم " أي لم بنا ، ثم كثر استعمالها فحذفت الألف تخفيفا ، ولأن اللام بعدها وإن كانت متحركة فإنها في حكم السكون ؛ ألا ترى أن الأصل وأقوى اللغتين - وهي الحجازيّة - ( أن تقول فيها : المم بنا ) فلمّا كانت لام ( هلمّ ) في تقدير السكون حذف لها ألف ( ها ) ، كما تحذف لالتقاء الساكنين ، فصارت
--> ( 1 ) البيت من الوافر ، وهو لعمرو بن الإطنابة في إنباه الرواة 3 / 281 ، وحماسة البحتري ص 9 ، والحيوان 6 / 425 ، وجمهرة اللغة ص 1095 ، وخزانة الأدب 2 / 428 ، والدرر 4 / 84 ، وديوان المعاني 1 / 114 ، وسمط اللآلي ص 574 ، وشرح التصريح 2 / 243 ، وشرح شواهد المغنى ص 546 ، ومجالس ثعلب ص 83 ، والمقاصد النحوية 4 / 415 ، وبلا نسبة في أوضح المسالك 4 / 189 ، وشرح الأشمونى 3 / 569 ، وشرح شذور الذهب ص 447 ، وشرح قطر الندى ص 117 ، وشرح المفصل 4 / 74 ، ولسان العرب ( جشأ ) ، ومغنى اللبيب 1 / 203 ، والمقرب 1 / 73 ، وهمع الهوامع 2 / 13 . جشأت نفسه تجشأ جشوءا : ارتفعت ونهضت إليه وجاشت من حزن أو فزع .